مكتب المحامي يحيى بن حسين اللغبيYahya Allaghbi Law Firm

المدونة / عام

مفهوم القضاء ووظيفته ومكانته في المنظومة القانونية

4 دقائق قراءةفريق المكتب

مفهوم القضاء وأهميته

القضاء هو الوظيفة السيادية التي تتولى الفصل في الخصومات وإحقاق الحق وردّ المظالم، بما يجعله الأداة التي تُترجم بها النصوص القانونية والشرعية إلى واقع ملموس في حياة الناس. فلا قيمة لقاعدة قانونية مهما بلغت دقتها إن لم تُسنَد بجهاز قضائي قادر على تطبيقها وإنفاذها بعدل واستقلالية. ومن هذا المنطلق، عُدّ القضاء منذ القدم عماد استقرار المجتمعات، إذ به تُحفظ الحقوق، وتُصان الأعراض والأموال والأنفس، ويُردع الظالم، ويُنصف المظلوم.

وقد أولت الشريعة الإسلامية القضاء عناية بالغة، فجعلته فريضة كفائية تقوم بها الأمة، واشترطت في القاضي شروطاً دقيقة من العلم والعدالة والكفاءة، تحقيقاً لمقصد أسمى هو إقامة العدل الذي هو غاية الشرائع السماوية جميعها، مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).

الأركان التي يقوم عليها العمل القضائي

يرتكز العمل القضائي السليم على ثلاثة أركان لا ينفك بعضها عن بعض. أولها الاستقلال، بمعنى عدم خضوع القاضي في حكمه لأي سلطان غير سلطان الحق والدليل، فلا تأثير عليه من سلطة تنفيذية أو تشريعية أو أي جهة كانت. وثانيها الحياد، بحيث يقف القاضي على مسافة واحدة من الخصوم جميعاً، لا يميل لأحدهم بقرابة أو مصلحة أو هوى. وثالثها الكفاءة العلمية والخبرة العملية، إذ إن إحقاق الحق يستلزم فهماً دقيقاً للوقائع وتكييفاً سليماً لها على النصوص، وتمييزاً بين الأدلة المقبولة والمردودة.

ويُضاف إلى ذلك مبدأ لا يقل أهمية، وهو مبدأ التسبيب، أي إلزام القاضي ببيان أسباب حكمه بياناً واضحاً يكشف عن الطريق الذي سلكه عقله في الوصول إلى النتيجة، فذلك هو الضمانة الأولى لرقابة درجات التقاضي الأعلى على سلامة الأحكام، وهو في الوقت ذاته أداة لطمأنة المتقاضين على أن حقوقهم لم تُهدر جزافاً.

درجات التقاضي وضماناته

جرى العمل في النظم القضائية الحديثة، ومنها النظام القضائي في المملكة العربية السعودية، على الأخذ بمبدأ التقاضي على درجتين على الأقل، بحيث يُنظر النزاع أمام محكمة الدرجة الأولى، ثم يكون لصاحب الشأن حق الاعتراض على الحكم أمام محكمة الاستئناف، وقد يصل الأمر في أحوال معينة إلى المحكمة العليا للنظر في مدى صحة تطبيق القاعدة القانونية دون الخوض في وقائع الدعوى من جديد. وهذا التدرج ضمانة جوهرية تحول دون استبداد رأي واحد بمصير الخصومة، وتتيح تصحيح ما قد يقع من خطأ في التقدير أو التطبيق.

ومن الضمانات الأساسية أيضاً حق الدفاع المكفول لكل خصم، وعلنية الجلسات إلا فيما استثناه النظام لاعتبارات النظام العام أو حرمة الأسرة، والمساواة بين الخصوم أمام القضاء دون تمييز، وحق كل متقاضٍ في الاستعانة بمن يمثله من المحامين المرخص لهم، بما يكفل توازن مركزي الخصومة أمام القضاء.

تطور النظام القضائي في المملكة العربية السعودية

شهد النظام القضائي في المملكة تطوراً ملحوظاً، تُوّج بصدور نظام القضاء ونظام ديوان المظالم، ثم بالتحديثات اللاحقة التي أرست هيكلاً قضائياً متدرجاً يشمل المحكمة العليا، ومحاكم الاستئناف، والمحاكم العامة والجزئية بدوائرها المتخصصة في القضايا التجارية والعمالية والأحوال الشخصية والجزائية والتنفيذ، إلى جانب القضاء الإداري ممثلاً في ديوان المظالم بدرجاته. وقد رافق هذا التطور تحول رقمي واسع تمثل في اعتماد منصة (ناجز) وسيلة رئيسة لرفع الدعاوى ومتابعة إجراءات التقاضي، بما اختصر كثيراً من الوقت والجهد على المتقاضين وأسهم في ضبط الإجراءات وتوثيقها.

كما أُنشئت محاكم متخصصة كالمحكمة التجارية والمحكمة العمالية تحقيقاً لمبدأ التخصص القضائي الذي يرفع من جودة الأحكام ويقصر أمد التقاضي، إذ إن نظر المنازعات التجارية أو العمالية أو الأسرية من قِبل قضاة متخصصين يمنح الأحكام قدراً أكبر من الدقة والاتساق.

دور القضاء في تحقيق الاستقرار والتنمية

لا يقتصر أثر القضاء على فض المنازعات الفردية، بل يمتد ليكون أحد أهم مقومات الثقة في أي بيئة قانونية أو استثمارية، ذلك أن استقرار المعاملات وثقة المتعاملين، أفراداً وشركات، مرهونة بوجود قضاء عادل وسريع وقابل للتنبؤ بأحكامه. فكلما ازدادت كفاءة القضاء وسرعته وشفافيته، ازدادت جاذبية البيئة القانونية للاستثمار، وتحقق الأمان القانوني الذي هو أحد أهم عناصر التنمية المستدامة.

وعليه، فإن الاستثمار في تطوير القضاء، عِلماً وتأهيلاً وتقنية، هو استثمار مباشر في استقرار المجتمع بأسره، وضمانة لا غنى عنها لحماية الحقوق وصون الحريات وإرساء دولة النظام.

وأخيرا

يبقى القضاء بما يحمله من قيم العدل والاستقلال والحياد، الملاذ الأخير الذي يلجأ إليه الناس حين تُنتهك حقوقهم أو تتنازعهم المصالح وهو بذلك ميزان لا يستقيم أمر الأمم إلا باستقامته. ومن واجب كل مشتغل بالعمل القانوني قاضياً كان أو محامياً أو باحثاً أن يسهم بجهده ووعيه في ترسيخ هذه القيم، وأن يذكر دوماً أن رسالة القضاء ليست إجراءً شكلياً، بل هي أمانة عظيمة يُسأل عنها صاحبها أمام الله ثم أمام ضميره ومجتمعه.

بقلم: المحامي يحيى حسين اللغبي

هذا المقال معرفة عامة، وقضيتك حالة خاصة.

استشر محامياً متخصصاً قبل البناء على أي معلومة قانونية عامة.

احجز استشارتك