يقوم نظام العمل السعودي على فكرة مركزية مؤداها أن علاقة العمل، وإن كانت في جوهرها عقدًا بين طرفين، إلا أنها تمس حقوقًا لا يجوز التنازل عنها أو الانتقاص منها بالاتفاق. فالنظام يبطل صراحة كل شرط أو إبراء أو مصالحة يخالف أحكامه لغير مصلحة العامل، ما لم يرد نص خاص يجيز ذلك. وفي هذه الجولة السريعة، نستعرض أبرز الحقوق التي كفلها النظام للعامل منذ إبرام عقده وحتى انتهاء علاقته الوظيفية.
أولًا: عقد العمل وضماناته الأولية يُعد عقد العمل الإطار الذي تُبنى عليه سائر حقوق العامل، وقد أوجب النظام كتابته وتوثيقه، وأتاح إثباته بكافة طرق الإثبات إذا لم يُكتب، حماية للعامل من إنكار وجود العلاقة أو التلاعب بشروطها. وقيّد النظام فترة التجربة بمدة أقصاها تسعون يومًا، ولا يجوز تمديدها أو تكرارها إلا في حدود ضيقة وبموافقة العامل الكتابية. كما لا يجوز تكليف العامل بعمل يختلف جوهريًا عما اتُّفق عليه، أو نقله إلى مكان يبعد عن محل إقامته الأصلي دون رضاه، إلا في حالات استثنائية حددتها المادة الثامنة والخمسون.
ثانيًا: الأجر وضماناته ألزم النظام صاحب العمل بسداد الأجر بمواعيد منضبطة، أسبوعيًا لمن يتقاضى أجره باليومية، وشهريًا لأصحاب الأجور الشهرية، عبر حسابات بنكية معتمدة. وحصر النظام حالات الحسم من الأجر لحقوق خاصة في صور محددة حصرًا كأقساط القروض والاشتراكات التأمينية والغرامات التأديبية، وأوجب ألا تتجاوز هذه الحسوم مجتمعة نصف أجر العامل المستحق إلا في حالات استثنائية ضيقة، وألا يقل ما يبقى للعامل بعد الحسم عن ربع أجره في جميع الأحوال. وإذا تأخر صاحب العمل عن سداد الأجر أو حسم منه بغير حق، فللعامل أن يلجأ إلى المحكمة العمالية التي يجوز لها أن توقع على المخالف غرامة تصل إلى ضعف المبلغ محل النزاع.
ثالثًا: ساعات العمل وفترات الراحة حدد النظام ساعة العمل اليومية بثماني ساعات، أو ثماني وأربعين ساعة أسبوعيًا، على أن تُخفض إلى ست ساعات يوميًا أو ست وثلاثين ساعة أسبوعيًا خلال شهر رمضان للمسلمين. ولا يجوز تشغيل العامل أكثر من خمس ساعات متصلة دون فترة راحة لا تقل عن نصف ساعة، كما لا يجوز إبقاؤه في مكان العمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة في اليوم الواحد. ويوم الجمعة هو يوم الراحة الأسبوعية المدفوعة الأجر لجميع العمال، ولا يجوز استبداله بمقابل نقدي. وإذا كُلّف العامل بساعات عمل إضافية، استحق عنها أجرًا يعادل أجر الساعة مضافًا إليه خمسون بالمائة، أو إجازة تعويضية بموافقته.
رابعًا: الإجازات يستحق العامل إجازة سنوية مدفوعة الأجر لا تقل عن واحد وعشرين يومًا، تُزاد إلى ثلاثين يومًا بعد خمس سنوات خدمة متصلة لدى صاحب العمل ذاته، ولا يجوز النزول عنها أو استبدالها بمقابل نقدي أثناء الخدمة. ويُضاف إلى ذلك إجازات الأعياد الرسمية، وإجازة بأجر كامل مدتها خمسة أيام عند الزواج أو وفاة الزوج أو أحد الأصول أو الفروع، وثلاثة أيام عند وفاة الأخ أو الأخت أو عند الإنجاب، وإجازة لأداء فريضة الحج مرة واحدة طوال مدة الخدمة بعد إتمام سنتين متصلتين. أما الإجازة المرضية فتُمنح بأجر كامل عن أول ثلاثين يومًا في السنة، وبثلاثة أرباع الأجر عن الستين يومًا التالية، ثم دون أجر لثلاثين يومًا أخرى.
خامسًا: حماية المرأة العاملة خص النظام المرأة العاملة بجملة من الضمانات، أبرزها إجازة وضع بأجر كامل مدتها اثنا عشر أسبوعًا، منها ستة أسابيع وجوبية بعد الوضع، وللعاملة توزيع الأسابيع الستة الباقية بما يشمل فترة تسبق تاريخ الوضع المرجح، مع حقها في تمديد الإجازة شهرًا إضافيًا دون أجر. وعند عودتها للعمل، لها الحق في فترة أو فترات استراحة للإرضاع لا تزيد على ساعة يوميًا لمدة أربعة وعشرين شهرًا من تاريخ الوضع، تُحتسب من ساعات العمل الفعلية دون أن يترتب عليها خصم من الأجر. ويحظر النظام صراحة فصل العاملة أو إنذارها بالفصل أثناء حملها أو تمتعها بإجازة الوضع، أو أثناء مرض ناشئ عن أي منهما.
سادسًا: السلامة المهنية وإصابات العمل أوجب النظام على صاحب العمل توفير بيئة عمل آمنة، تشمل الاحتياطات اللازمة للوقاية من الأخطار والأمراض المهنية والحرائق، وإحاطة العامل بمخاطر مهنته، ووضع خزانة للإسعافات الأولية وتوفير الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية. وفي حال وقوع إصابة عمل أو مرض مهني، يلتزم صاحب العمل بعلاج العامل المصاب، ويستحق العامل تعويضًا يراعي حالتي العجز المؤقت والدائم وفق ضوابط فصّلها النظام.
سابعًا: إنهاء علاقة العمل والحقوق المترتبة عليه إذا كان العقد غير محدد المدة، فلا يجوز إنهاؤه إلا بإشعار كتابي مسبق، مدته ستون يومًا إذا كان الإنهاء من صاحب العمل وأجر العامل يُدفع شهريًا، وثلاثون يومًا في الحالات الأخرى. ومن أخلّ بمهلة الإشعار التزم بدفع مبلغ مساوٍ لأجر العامل عن مدة الإشعار. وإذا كان الإنهاء لسبب غير مشروع، استحق الطرف المتضرر تعويضًا لا يقل عن أجر شهرين، ويُحسب بواقع أجر خمسة عشر يومًا عن كل سنة خدمة إذا كان العقد غير محدد المدة، أو بأجر المدة الباقية إن كان محدد المدة. كما نص النظام على حالات محددة حصرًا يجوز فيها للعامل ترك العمل دون إشعار مع احتفاظه بكامل حقوقه، منها إخلال صاحب العمل بالتزاماته الجوهرية، أو تعرض العامل لاعتداء أو معاملة قاسية أو مهينة.
وعند انتهاء العلاقة العقدية أيًا كان سببها، يستحق العامل مكافأة نهاية خدمة تُحسب بواقع أجر نصف شهر عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى، وأجر شهر كامل عن كل سنة تالية، على أساس آخر أجر تقاضاه. وإذا كان إنهاء العلاقة باستقالة من العامل، استحق ثلث المكافأة بعد خدمة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وثلثيها بعد خدمة تزيد على خمس سنوات ولا تبلغ عشرًا، وكاملة إذا بلغت خدمته عشر سنوات فأكثر. وألزم النظام صاحب العمل بتصفية جميع حقوق العامل خلال أسبوع من انتهاء العلاقة إذا كان الإنهاء من جهته، وخلال أسبوعين إذا كان العامل هو من أنهاها.
ثامنًا: آليات الحماية والتقاضي يخضع تطبيق أحكام النظام لرقابة مفتشي العمل الذين خوّلهم النظام صلاحية دخول أماكن العمل والتحقق من الالتزام بأحكامه، مع كفالة سرية الشكاوى المقدمة ضد أصحاب العمل. وللعامل عند المنازعة في أي من حقوقه اللجوء إلى المحكمة العمالية، التي تنظر الدعوى العمالية على وجه الاستعجال، ولا يجوز خلال نظرها تغيير شروط تشغيل العامل بما يضر بموقفه فيها.
وأخيراً تكشف هذه الجولة السريعة أن نظام العمل السعودي بنى منظومة حقوق متكاملة للعامل، تبدأ من ضمان استقرار عقده وأجره، وتمتد إلى تنظيم دقيق لوقته وإجازاته وسلامته، وتنتهي بضمانات واضحة عند إنهاء علاقته الوظيفية. وتبقى معرفة هذه الحقوق بدقتها النظامية، لا بعمومها المتداول، هي السبيل الأمثل لكل من العامل وصاحب العمل لضبط علاقتهما بما يحقق التوازن الذي قصد إليه المنظم. كتبه المحامي يحيى حسين اللغبي
هذا المقال معرفة عامة، وقضيتك حالة خاصة.
استشر محامياً متخصصاً قبل البناء على أي معلومة قانونية عامة.
احجز استشارتك