مكتب المحامي يحيى بن حسين اللغبيYahya Allaghbi Law Firm

المدونة / جوله تعريفية عن نظام الاثبات

الإثبات السعودي: قراءة تحليلية في طرق الإثبات وأحكامه العامة بقلم: يحيى بن حسين اللغبي

5 دقائق قراءةفريق المكتب

يُعدّ نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ نقلة نوعية في تنظيم قواعد الإثبات في المملكة العربية السعودية، إذ جاء ليجمع في وثيقة نظامية واحدة ما كان متفرقاً بين قواعد الفقه الإسلامي وأحكام القضاء والاجتهادات القضائية المتراكمة عبر عقود. ولم يكن هذا التقنين ترفاً تشريعياً، بل استجابة لحاجة عملية ماسة إلى ضبط معايير موحدة يُحتكم إليها أمام مختلف المحاكم، بما يحقق الانضباط في تقدير الأدلة، ويحدّ من التفاوت في الأحكام القضائية إزاء الوقائع المتماثلة.

ويهدف هذا المقال إلى تقديم عرض شامل لأبرز ملامح نظام الإثبات، من حيث نطاقه ومصادره، ومبادئه العامة، وطرق الإثبات التي حصرها النظام، مع الإشارة إلى أبرز الأحكام المرتبطة بكل طريقة منها، بما يخدم الممارس القانوني والمهتم بالشأن القضائي على حدّ سواء.

نطاق النظام ومصادره يسري نظام الإثبات على جميع الدعاوى والمنازعات المدنية والتجارية أمام المحاكم وهيئات التسوية والفصل في المنازعات، ما لم يرد نص خاص يقضي بخلاف ذلك في أنظمة أخرى، كنظام المرافعات الشرعية أو الأنظمة القطاعية التي تتضمن أحكاماً إثباتية استثنائية. وقد استمدّ المنظّم أحكام هذا النظام من أصول الفقه الإسلامي وقواعده العامة في الإثبات، مع الإفادة من التجارب النظامية المقارنة في صياغة الأحكام الإجرائية والتفصيلية، بما يحقق الانسجام بين الأصالة الفقهية والحاجة العملية المعاصرة، ولا سيما في مسائل الإثبات الإلكتروني والمحررات الرقمية التي لم تكن حاضرة في المصنفات الفقهية التقليدية بالصورة ذاتها.

المبادئ العامة في الإثبات يقوم نظام الإثبات على مجموعة من المبادئ الجوهرية التي تحكم تطبيق أحكامه. يتصدّر هذه المبادئ مبدأ أن البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، وهو أصل فقهي راسخ نقله النظام صراحة، ومقتضاه أن عبء إثبات الواقعة المدّعى بها يقع على عاتق المدّعي، فإن عجز عن إقامة الدليل، جاز للمدّعى عليه أن يحسم النزاع بتوجيه اليمين إليه إن كانت الدعوى مما تصح فيها اليمين.

ويقرّر النظام كذلك مبدأ حصر طرق الإثبات، بمعنى أن الأدلة المقبولة أمام القضاء محصورة فيما نصّ عليه النظام، وهي الإقرار، والكتابة، والشهادة، والقرائن، واليمين، والمعاينة، والخبرة، فلا يجوز الاحتجاج بدليل خارج هذا الإطار ما لم يندرج تحت إحدى هذه الطرق. غير أن هذا الحصر لا يعني تقييد القاضي في وزن الأدلة المقبولة وترجيح بعضها على بعض، إذ يبقى للقاضي سلطة تقديرية واسعة في تكوين قناعته من مجموع الأدلة المطروحة، بشرط أن يُسند حكمه إلى أسباب واضحة ومسوّغة.

ومن المبادئ اللافتة أيضاً ما استقرّ عليه النظام من جواز الإثبات بجميع الطرق في المسائل التجارية، مراعاةً لطبيعة المعاملات التجارية التي تقوم على السرعة والثقة، خلافاً لبعض المسائل المدنية التي قد تستلزم الكتابة إذا تجاوزت قيمة معينة، على النحو الذي فصّلته اللائحة التنفيذية للنظام.

طرق الإثبات في النظام أولاً: الإقرار الإقرار هو اعتراف الشخص بحق عليه لآخر، ويُعدّ من أقوى طرق الإثبات لصدوره ممن أقرّ به على نفسه، وقد فصّل النظام أحكامه من حيث شروط صحته، وأثره في تقييد المُقرّ بما أقرّ به، وحالات الرجوع عنه على نحو ضيق ومحدد. ويُميّز النظام بين الإقرار القضائي الذي يصدر أثناء نظر الدعوى أمام القضاء، والإقرار غير القضائي الذي يُثبت بطرق الإثبات الأخرى، مع اختلاف حجية كل منهما.

ثانياً: الكتابة تشمل الكتابة المحررات الرسمية التي يحرّرها موظف عام مختص وفق الأوضاع النظامية المقرّرة، والمحررات العرفية الصادرة من الأفراد دون تدخل جهة رسمية. وقد أفرد النظام أحكاماً خاصة بحجية كل نوع، وطرق الطعن فيها بالإنكار أو التزوير. كما واكب النظام التطور التقني بالنص على حجية المحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني متى استوفت الضوابط النظامية المقررة في نظام التعاملات الإلكترونية، بما يمنحها ذات القوة الثبوتية للمحررات الورقية في نطاق التعاملات التي تجيز ذلك.

ثالثاً: الشهادة الشهادة هي إخبار الشاهد أمام القضاء بواقعة معينة لصالح أحد الخصمين، وقد اشترط النظام في الشاهد شروطاً تتعلق بأهليته وعدالته وعدم وجود مانع من موانع الشهادة، كالقرابة المباشرة أو المصلحة الشخصية في النزاع. ويخضع تقدير أقوال الشهود لسلطة المحكمة التقديرية، فلها أن تأخذ بها كلياً أو جزئياً، أو تطرحها إذا تبيّن لها ما يقدح في مصداقيتها، كتناقض الأقوال أو تعارضها مع القرائن الثابتة في الدعوى.

رابعاً: القرائن القرينة استنباط أمر مجهول من أمر معلوم، ويُميّز النظام بين القرائن القانونية التي يقرّرها النظام نفسه وتُعفي من تحتج بها من عبء الإثبات، والقرائن القضائية التي يستنبطها القاضي من ظروف الدعوى وملابساتها. وتكتسب القرائن أهمية متزايدة في المنازعات التي يصعب فيها الإثبات المباشر، لا سيما في الدعاوى التجارية والمالية المعقدة.

خامساً: اليمين اليمين نوعان: يمين حاسمة يوجّهها أحد الخصمين إلى الآخر لحسم النزاع، ويمين متممة يوجّهها القاضي من تلقاء نفسه لاستكمال قناعته إذا كان الدليل المطروح غير كافٍ بذاته. وقد وضع النظام ضوابط دقيقة لتوجيه اليمين وردّها والنكول عنها، وأثر كل حالة من هذه الحالات على مآل الدعوى.

سادساً: المعاينة والخبرة تلجأ المحكمة إلى المعاينة حين تستلزم الدعوى الوقوف على واقعة مادية بالمشاهدة المباشرة، كمعاينة عقار أو موقع حادثة. أما الخبرة فتُستعان بها متى استلزم الفصل في الدعوى رأياً فنياً متخصصاً لا تملكه المحكمة بحكم تكوينها القانوني، كالخبرة الهندسية أو المحاسبية أو الطبية، على أن يبقى تقرير الخبير معروضاً لتقدير المحكمة، فلا يُلزمها الأخذ به إذا خالف القناعة المستمدة من باقي عناصر الدعوى.

خاتمة يمثّل نظام الإثبات ركيزة أساسية في المنظومة الإجرائية السعودية، فهو الأداة التي يُترجم بها الحق المدّعى به إلى حكم قضائي معتبر. وإدراك الممارس القانوني الدقيق لطرق الإثبات وشروطها وأثرها لا يقلّ أهمية عن إدراكه للقواعد الموضوعية ذاتها، إذ كثيراً ما يُحسم النزاع لا بمقتضى الحق المجرد، بل بمقدار ما يُحسن أحد الخصمين تقديم دليله وفق الطريق النظامي الصحيح. ومن هذا المنطلق، تبقى العناية بجمع الأدلة وتوثيقها منذ نشأة العلاقة القانونية، لا عند نشوء النزاع، هي خط الدفاع الأول عن الحق.

هذا المقال معرفة عامة، وقضيتك حالة خاصة.

استشر محامياً متخصصاً قبل البناء على أي معلومة قانونية عامة.

احجز استشارتك